الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
198
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 117 ] مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) استئناف بياني لأن قوله : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ . . . إلخ يثير سؤال سائل عن إنفاقهم الأموال في الخير من إغاثة الملهوف وإعطاء الديات في الصلح عن القتلى . ضرب لأعمالهم المتعلّقة بالأموال مثلا ، فشبّه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرها ، المخيّب آخرها ، حين يحبطها الكفر ، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته ، تشبيه المعقول بالمحسوس . ولمّا كان التّشبيه تمثيليا لم يتوخ فيه موالاة ما شبّه به إنفاقهم لأداة التّمثيل ، فقيل : كمثل ريح ، ولم يقل : كمثل حرث قوم . والكلام على الريح تقدّم عند قوله تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ في سورة البقرة [ 164 ] . والصّر : البرد الشّديد المميت لكلّ زرع أو ورق يهبّ عليه فيتركه كالمحترق ، ولم يعرف في كلام العرب إطلاق الصرّ على الرّيح الشّديد البرد وإنّما الصرّ اسم البرد . وأمّا الصرصر فهو الريح الشديدة وقد تكون باردة . ومعنى الآية غني عن التأويل ، وجوز في « الكشاف » أن يكون الصرّ هنا اسما للريح الباردة وجعله مرادف الصرصر . وقد أقره الكاتبون عليه ولم يذكر هذا الإطلاق في الأساس ولا ذكره الراغب . وفي قوله فِيها صِرٌّ إفادة شدّة برد هذه الريح ، حتّى كأنّ جنس الصر مظروف فيها ، وهي تحمله إلى الحرث . والحرث هنا مصدر بمعنى المفعول : أي محروث قوم أي أرضا محروثة والمراد أصابت زرع حرث . وتقدّم الكلام على معاني الحرث عند قوله تعالى وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ [ آل عمران : 14 ] في أول السورة . وقوله ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إدماج في خلال التمثيل يكسب التمثيل تفظيعا وتشويها وليس جزءا من الهيئة المشبّه بها . وقد يذكر البلغاء مع المشبّه به صفات لا يقصدون منها غير التحسين أو التقبيح كقول كعب بن زهير : شجّت بذي شبم من ماء محنية * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرّياح القذى عنه وأفرطه * من صوب سارية بيض يعاليل فأجرى على الماء الذي هو جزء المشبّه به صفات لا أثر لها في التشبيه .